صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

371

شرح أصول الكافي

لافتقر التكليف هناك أيضا إلى سبق ميثاق آخر ويتسلسل ، وان لم يكونوا كذلك فيتمنع توجيه الخطاب والتكليف عليهم . العاشرة قوله تعالى : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ « 1 » ، ولو كانت تلك الذرات عقلاء فاهمين لكانوا موجودين قبل هذا الماء الدافق ، ولا معنى للانسان الا ذلك المدرك الفاهم فلا يكون مخلوقا من الماء الدافق ، وهو رد لنص القرآن . وتلك الوجوه أكثرها مما يخطر لأصحاب العقول الفكرية والآراء المشهورة لأهل البحث من غير استبصار قلبي . والقول الثاني في تفسير الآية قول أصحاب النظر وأرباب المعقولات وهو : انه تعالى اخرج الذرية وهم الأولاد من أصلاب آبائهم ، وذلك الاخراج انهم كانوا نطفا فأخرجها اللّه إلى أرحام الأمهات وجعلها علقة ثم مضغة إلى أن جعلهم بشرا سويا وخلقا كاملا ثم اشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته وعجائب خلقته وغرائب صنعته ، فبالاستشهاد بالأدلّة صاروا « 2 » كأنهم قالوا بلى وان لم يكن هناك قول باللسان ، ولذلك نظائر : منها : قوله تعالى : فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ « 3 » ، ومنها قوله : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 4 » ، وقول العرب : قال الجدار للوتد : لم تشقني ؟ قال : سل من يدقني . وقال الشاعر : امتلأ الحوض فقال : قطني . فهذا النوع من المجاز والاستعارة مشهور في الكلام فوجب حمل الكلام عليه ، فهذا هو تقرير القولين . واستحسن الفخر الرازي صاحب التفسير الكبير القول الثاني وقال : لا طعن فيه انما الكلام في أن القول الأول هل يصح أم لا قال : وهاهنا مقامان : أحدهما انه هل يصح القول باخذ الميثاق عن الذرية « 5 » ؟ الثاني انه بتقدير صحته فهل يمكن جعله تفسيرا لألفاظ هذه الآية ؟

--> ( 1 ) - الطارق 5 و 6 . ( 2 ) - صنعه ، فبالاشهاد صاروا « التفسير » . ( 3 ) - فصلت 11 . ( 4 ) - النحل 40 . ( 5 ) - الذر « التفسير » .